علي بن أحمد المهائمي
657
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
بعض المراتب بصورة الألوهية فتعبد وتؤثر ، وفي بعضها بصورة العبودية فتعبد وتتأثر ، وبهذه التفرقة في المراتب ما تفرقت العين بالإلهية والخلقية ، وإنما تتفرق ( لو انقسمت في ذاتها ) ، لكن باختلاف مراتب الظهور لا يلزم أنها انقسمت في ذاتها ، بل غايته الانقسام في التجليات ، فيتجلي في البعض بالمعبودية والتأثير ، وفي البعض بالعابدية والتأثر ، فظن أن الإلهية هي المعبودية والتأثير ، وهما بالتحكم التام والسيف العام ، وليست بدون الوجوب الذاتي ؛ فلذلك قال : ( ومرتبتي الآن ) إشارة إلى أن الظهور بالإلهية لا يلزم استمراره من الأزل إلى الأبد في زعمه ( التحكم فيك يا موسى ) ، وإن زعمت أنك مظهر كامل بالرسالة التي لا تفوقها رتبة غير الإلهية ، فكيف سائر المظاهر ( بالفعل ) ، وهو التأثير المختص بالإلهية ، وإن كان ( أنا أنت بالعين ) ، ولكن لا يلزم عن ذلك الاتحاد في الربوبية والعبودية ، إذ أنا ( غيرك بالرتبة ) والإلهية والعبودية من المراتب ، فصح وعيدي إياك بهذا الاعتبار . [ فلمّا فهم ذلك موسى منه أعطاه حقّه في كونه يقول له : لا تقدر على ذلك ، والرّتبة تشهد له بالقدرة عليه وإظهار الأثر فيه ؛ لأنّ الحقّ في رتبة فرعون من الصّورة الظّاهرة ، لها التّحكّم على الرّتبة الّتي كان فيها ظهور موسى في ذلك المجلس ، فقال له يظهر له المانع من تعدّيه عليه أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [ الشعراء : 30 ] ، فلم يسع فرعون إلّا أن يقول له : فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الشعراء : 31 ] حتّى لا يظهر فرعون عند الضّعفاء الرّأي من قومه بعدم الإنصاف فكانوا يرتابون فيه ، وهي الطّائفة الّتي استخفّها فرعون فأطاعوه إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ [ الأنبياء : 74 ] أي : خارجين عمّا تعطيه العقول الصّحيحة من إنكار ما ادّعاه فرعون باللّسان الظّاهر في العقل ، فإنّ له حدّا يقف عنده إذا جاوزه صاحب الكشف واليقين ] . ( فلما فهم ذلك ) أي : كونه وعيد ، وبحسب مرتبته ( موسى ) فيه بلسان الحال ( أعطاه ) ، أي : أعطى موسى فرعون ( حقه ) من العجز الذي له ( في كونه ) ، أي : الوجود الحادث بحيث يمتنع تأثيره بالمانع منه بخلاف تأثير الحق ، إذ لا مانع له أصلا ، فكأنه ( يقول له ) بلسان الحال : ( لا تقدر على ذلك ) ؛ للعجز الكوني فيك المتأثر بالمانع ، وإن كانت ( الرتبة ) التحكمية ( تشهد له بالقدرة عليه وإظهار الأثر فيه ) لا من جهة كونه ، بل من حيث ظهور الحق فيه ؛ ( لأن الحق ) الظاهر ( في رتبة فرعون من ) جهة ( الصورة الظاهرة ) في عينه الثابتة بحيث يكون ( لها التحكم على الرتبة التي ) فيها الحق بصورة موسى ، ولو في ( ذلك المجلس ) ، وكان لموسى التحكم عليه حين أغرق في البحر ، وفي القيمة وغير ذلك . فاحتاج موسى إلى إظهار المانع من نفور قدرته فيه وتأثيره ، فقال له بلسان المقال